ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

35

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

النوع التاسع في التقديم والتأخير وهذا باب طويل عريض ، يشتمل على أسرار دقيقة ، منها ما استخرجته أنا ، ومنها ما وجدته في أقوال علماء البيان ، وسأورد ذلك مبينا . وهو ضربان : الأول يختص بدلالة الألفاظ على المعاني ، ولو أخر المقدم أو قدم المؤخر لتغير المعنى ، والثاني يختص بدرجة التقدم في الذكر لاختصاصه بما يوجب له ذلك ، ولو أخر لما تغير المعنى . فأما الضرب الأول فإنه ينقسم إلى قسمين : أحدهما يكون التقديم فيه هو الأبلغ ؛ والآخر يكون التأخير فيه هو الأبلغ . فأما القسم الذي يكون التقديم فيه هو الأبلغ فكتقديم المفعول على الفعل ، وتقديم الخبر على المبتدأ ، وتقديم الظرف أو الحال أو الاستثناء على العامل . فمن ذلك تقديم المفعول على الفعل ، كقولك : زيدا ضربت ، وضربت زيدا ، فإن في قولك « زيدا ضربت » تخصيصا به بالضرب دون غيره ، وذلك بخلاف قولك « ضرب زيدا » ؛ لأنك إذا قدمت الفعل كنت بالخيار في إيقاعه على أيّ مفعول شئت ، بأن تقول : ضربت خالدا ، أو بكرا ، أو غيرهما ، وإذا أخّرته لزم الاختصاص للمفعول . وكذلك تقديم خبر المبتدأ عليه ، كقولك : زيد قائم ، وقائم زيد ؛ فقولك « قائم زيد » قد أثبتّ له القيام دون غيره ، وقولك « زيد قائم » أنت بالخيار في إثبات القيام له ونفيه عنه ؛ بأن تقول : ضارب ، أو جالس ، أو غير ذلك . وهكذا يجري الحكم في تقديم الظرف ، كقولك : إن إليّ مصير هذا الأمر ، وقولك : إنّ مصير هذا الأمر إليّ ؛ فإن تقديم الظرف دلّ على أن مصير الأمر ليس